أحمد الفاروقي السرهندي

222

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

لا ينبغي الإصغاء إلى قيل النّاس وقالهم . والألم والبلاء والمحنة من شواهد المحبّة فإن زعمها مطموسو البصيرة منافية للمحبّة ماذا نصنع لا علاج غير الإعراض عن الجاهلين ومقالتهم فاصبر صبرا جميلا . ( جواب ) آخر عن أصل السّؤال أنّ البلاء سوط المحبوب يمنع المحبّ من الالتفات إلى ما سوى المحبوب ويجعله متوجّها بكلّيّته إلى جناب قدسه فيكون المستحقّ للألم والبلاء الأولياء ليكون هذا البلاء مكفّرا لسيّئة التفاتهم إلى ما سواه ولا يكون غيرهم لائقا بهذه الدولة وكيف لا يجاء به إلى جانب المحبوب بلا اختيار فانّ كلّ من سبقت له العناية الازليّة يجاء به إلى جانب المحبوب بالجرّ والضّرب ويجتبى للمحبوبيّة ومن لا فيترك على اختياره فإن أدركته السّعادة الابديّة يسلك طريق الإنابة ويصل إلى المقصد بإمداد الفضل والعناية وإلّا فإيّاه وحاله اللّهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فعلم من هذا أنّ البلاء في المرادين يكون أكثر منه في المريدين ولهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي هو رئيس المرادين والمحبوبين ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت فظهر في البلاء معنى الدلاليّة حيث أنّه أوصل الحبيب إلى الحبيب بحسن دلالته وجعله صافيا من الالتفات إلى غير الحبيب والعجب أنّ الأولياء لو وجدوا ألوفا لاشتروا بها البلاء وغيرهم يريدون دفع البلاء بإعطاء ألوف ( فإن قيل ) قد يفهم الاضطراب والكراهة في الأولياء أيضا وقت إصابة الألم والبلاء في بعض الأحيان فما وجه ذلك ؟ ( أجيب ) أنّ ذلك الاضطراب صوريّ يصدر عنهم أحيانا بمقتضى الطّينة البشريّة وفي إبقائه حكم ومصالح فإنّ الجهاد مع النّفس لا يتصوّر بدونه وقد سمعت ما ظهر من سيّد الاوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام من الاضطراب والقلق في سكرات الموت وكان ذلك بقيّة الجهاد مع النّفس ليكون خاتمة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام على الجهاد مع أعداء اللّه تعالى وشدّة المجاهدة تحسم موادّ الصّفات البشريّة وتوصل النّفس إلى كمال الانقياد وحقيقة الاطمئنان وتجعلها صافية زاكية فصار البلاء دلّال سوق المحبّة ومن لا محبّة له لا شغل له بالدّلّال ولا يحتاج إلى الدلاليّة ولا يكون لها عنده قدر ولا قيمة ووجه آخر للألم والبلاء حصول الامتياز بين المحبّ الصّادق وبين المدّعي الكاذب فإنّ من كان صادقا يكون ملتذّا ومحتظّا بالبلاء ومن كان مدّعيا لا يكون نصيبه من البلاء غير التّألّم والكراهة ولا يهتدي إلى هذا التّمييز الّا من كان فيه شائبة من الصّدق حتّى يميّز بين حقيقة التّألّم وصورته ويفرّق بين حقيقة الصّفات البشريّة وصورتها . " الوليّ يعرف الوليّ " رمز إلى هذا البيان واللّه سبحانه الهادي إلى سبيل الرّشاد ( وسألتم ) أيضا أنّ العدم لا شيء محض كما قالوا فلا يكون له وجود فإذا لم يكن له وجود كيف تكون له آثار وترقّيات مع الوجود الذي عرض له في الذّهن فإن كانت تكون ذهنيّة فكيف تخرج عن دائرة الخيال ؟ ( اعلم ) أنّ العدم وإن كان لا شيئا ولكنّ معاملة الأشياء كلّها قائمة به ومنشأ تفصيل الأشياء وكثرتها مرآتيّته والصّور العلميّة للأسماء الإلهيّة جلّ شأنه الّتي انعكست في مرآة العدم جعلته متميّزا واستلزمته ثبوتا علميّا فبالضّرورة أخرجته أيضا من اللّاشيئيّة المحضة وصيّرته منشأ للآثار والأحكام وهذه الآثار والأحكام أيضا